ابن قيم الجوزية

190

البدائع في علوم القرآن

فيصعد إليه - سبحانه - ثم ينزل من عنده إلى موسى عدة مرار . الثامن عشر : إخباره تعالى عن نفسه ، وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عيانا جهرة كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر . والذي تفهمه الأمم على اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة والمواجهة ، التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة غير مفرطة في البعد ، فتمتنع الرؤية ، ولا في القرب ، فلا تمكن الرؤية ، لا تعقل الأمم غير هذا . فإما أن يروه سبحانه من تحتهم - تعالى اللّه - أو من خلفهم ، أو من أمامهم ، أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم ، ولا بد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقا ، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم ، كما في حديث جابر الذي في المسند وغيره : « بينا أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الجبار قد أشرف عليهم من فوقهم ، وقال : يا أهل الجنة ، سلام عليكم » « 1 » ، ثم قرأ قوله : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ( 85 ) [ يس ] ثم يتوارى عنهم ، وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم . ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية ، ولهذا طرد الجهمية أصلهم ، وصرحوا بذلك ، وركبوا النفيين معا ، وصدق أهل السنة بالأمرين معا ، وأقروا بهما ، وصار من أثبت الرؤية ، ونفى علو الرب على خلقه ، واستواءه على عرشه ، مذبذبا بين ذلك لا إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء . فهذه أنواع من الأدلة السمعية المحكمة ، وإذا بسطت أفرادها كانت ألف دليل على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه . فترك الجهمية ذلك كله وردوه بالمتشابه من قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، ورده زعيمهم المتأخر بقوله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) ، وبقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . ثم ردوا تلك الأنواع كلها متشابهة ، فسلطوا المتشابه على المحكم ، وردوه به ، ثم ردوا المحكم متشابها ، فتارة يحتجون به على الباطل ، وتارة يدفعون به الحق ، ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهر ، ولا أبين دلالة من مضمون هذه النصوص ، فإذا كانت متشابهة ، فالشريعة كلها متشابهة ، وليس فيها شيء محكم البتة ! ولازم هذا القول - لزوما لا محيد عنه - أن ترك الناس بدونها خير لهم من إنزالها إليهم فإنها أوهمتهم ، وأفهمتهم غير المراد ، وأوقعتهم في اعتقاد الباطل ، ولم يتبين لهم ما هو

--> ( 1 ) ابن ماجة ( 184 ) في المقدمة ، باب : فيما أنكرت الجهمية ، وضعفه الألباني ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 7 / 100 ، 101 ) : « رواه البزار وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي وهو ضعيف » ، ويغني عنه الأحاديث الصحيحة في هذا الباب كما سبق .